جوهرة الغناء والطرب أبو بكر سالم بلفقيه
بقلم : سالم بجود باراس

عندما تغيب نجوم الليل ، ويفل ذلك الصوت الشجي ، تحق للأقلام أن تنعيك وتسكب
المراثي ، لصوتٍ غنّى وصدح بحنجرته الذهبية ، دع القوافي تبكي من غاب رسمه ولم
يغب اسمه وفنه وسحر كلماته .

ذات يوم ، تمايلت أغصان البان طربا ، وضحك جبل ضبضب ، وزغردت سعاد ، وبشت
أمواج المكلا على صوت ، ( …لا تعذبني وإلا سرت وتركت المكلا لك، إذا ما فيك
معروف … ) … ( ما علينا يا حبيبي ماعلينا من كلام الناس …) إبداع مع
ثنائي المحضار ذلك الشاعر الذي بلغ صيته وشعره الآفاق ، فلا يرحل مكان إلا
ويسبقه شعره ، فيضع كلمات تردده الألسن كلما مروا على جبل ضبضب ، أو ذكرت سعاد
( الشحر ) حتى دوعن يا محضار رششت عليها من عطر كلماتك .. وأنصتت حسُر دوعن
لدعابتهِ وإبداعاته وهو يخاطبها بشعره ( …عادك يا حسُر دوعن عسيرة … حتى
فلوس التاج ما قدرت توطيش…) .

يوم الأحد من ديسمبر من عام 2017م نودع هامة حضرمية ، وضعت بصماتها بعرق
جبينها ، لأجل حضرموت والفن الأصيل ، حافظ على جذوره وقيمه ، لم تبدل الغربة
أصله وفصله ، بل ظل يشدو بألحانه وصوته الشجي الرائع ( …إن سافرت سافرت
مغصوب..)
فحق للعيون أن تبكيك وللقوافي أن ترثيك ، يا فارس الفن والعود ، وشاعر الحب
والكلمة الرقراقة.

شكل هذا الفنان ، والذي هو بمثابة ((ملك الفن الحضرمي )) ، لو جاز لي التعبير
، ثنائي رائع مع المبدع الشاعر المرحوم حسين المحضار ، وكليهما كالروح التصقت
ببعضهما ، فخرج الفن العذب على بساط الريح ، ينتقل بين البيوت والمدن وبطون
الأودية ، حتى صارت به الركبان فشرق وغرب ، كلمات ولحن وإبداع ، كالماء
السلسبيل العذب ، كلما شربت منه غرفة ، ازددت شوقا ولهفة للمزيد .

من منا لم يستمع لأغاني هذا المبدع، الذي سحر بصوته وكلماته وألحانه ، معظم
العشاق ، ومحبي الفن ، وذوق اللحن والكلمة ( … متى أنا أشوفك يا كامل وصوفك
.. ) .

ثم بدأ المحضار يرفده بسيل من الشعر العذب ، والغزل العميق ( با شل حبك معي
بلقيه زادي ومرافقي في السفر …) …
( سر حبي فيك غامض ، سر حبي ما نكشف ، …).

لم يجد المحضار صوت شجي يطرب الآذان ، ويعطي هذه الكلمات الرائعة قيمتها ،
إلا أبوبكر سالم ، رحم الله الفنان القدير المبدع ، الذي لازال صوته حي بيننا
، وسيظل كذلك ، ورفيق دربه حسين المحضار ، الذي حير الكتاب ، والمبدعين
والشعراء ، بجميل كلماته وابداعته ، التي احتار في شرحها ، وفك رموزها فطاحلة
هذا العصر .

ماتا الإثنين ولا أعتقد أن الزمن سيجود بمثلهما ، ولن يكون لهما نداً ولا
مثيل ، رحم الله تلك الأرواح التي أبدعت وتركت موروث شعبي أصيل وتاريخ لا ينسى
.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.